لطالما هزمتني القصائد والمدن والنساء
ولطالما تنكر لي النفط الذي كان من بقايا جدودي
(وتنكرت لي القبيلة .. وربما المقبرة ..)
( ستموت مغبوناً ومنسياً بعد أن ينكرك الناس ، ويموت ذكرك حتى يقيض الله لك من صلبك بعد قرن من الزمان من يبعث ذكرك فتعود كما لو كنت موجوداً ، ثم ينهال عليك المديح والتكريم الذي لا يمكنك تصوره .
ذهبت أتفيأ سيرته في القرى عندما كان الجميع يلهج بـ( قال اموسي ) وأصبحت الحياة تضج بالشطط بعد أن ضاعت بي مرافىء الروح ، واسودت خطوط النهار فلبست دهشتي خلف ضوء القلاع والحصون المكللة بالصمت الذي يجهل أبوابه الكلام ، تلك الحصون الناطقة بجبروت التحدي الصامد ضد الهشاشة الراكضة في شريان العصر .
كانت الأشجار تركض خلفي وأنا في بحث دؤوب منذ ما يقرب من ثلاثين عاما و(الهازمي ) جدي لأمي قد سكن كل شبر في الجنوب بنبوءاته الخارقة ، وأشعاره الندية ..
منذ أن أحسست أن دمه يتجول في شراييني بعد أن غرست الأيام مناقيرها في جسدي ورأيت فيما يرى النائم كأنا التقينا في كهف وسط جبل ( امخوجرة ) ، ونسجنا الظلام خيمة حولنا فأخذ يتلو علي من كتابه الفلك ..
خرجت في صباح اليوم التالي أجوب القرى وأسأل الأمكنة ..لم أعثر على دليل واحد يؤكد أنه على قيد الحياة سوى أقوال عابرة أكدها البعض ، كما لم يمكنني العثور على دليل واحد يؤكد أنه قد مات فليس له قبر يمكن الاطمئنان إلى أن جسده موارى بداخله ، ولا أحد يستطيع التأكيد أنه شارك في دفنه حيث يثار أنه اختفى عن الأنظار قبل سنوات دون أن يعرف أحد وجهته ، لكن نبوءاته الجديدة تبرهن على أنه ما زال على قيد الحياة .
غالبية الناس يتحدثون عن شبهي به حد التطابق ، بل إن بعضهم التبس عليه الأمر فيظن أني جدي بشحمه ولحمه ، وأنه متمثل في ذاتي ، وصل الأمر ببعضهم إلى الزعم بأني من يقول تلك النبوءات الجديدة التي تشيع بين الناس ، وتؤكد وجود قائلها بينهم .
بدأت أرسم جدي بهيئة مهيبة .. أقيسه على صفاتي المشابهة له حد التطابق لكنني أتدخل فأزيد في طوله قليلاً .. أقصر شاربه المرسل ، وأترك للحيته حرية التمدد في كل الاتجاهات .. أجعلها بيضاء كثة على ثوب ناصع ، ثم أهيأ له لحافاً دريهمياً أشدُّ به وسطه فوق حزام يحتضن خنجراً يمانية أنيقة نصلها موشى بالفضة ، أو أجعل اللحاف فوق كتفه حين أشغل خاصرته بجنبية محلاة ينتهي طرف غلافها بسيور من الجلد الملون .
احترت في وضع عمامته هل تكون مرسلة وفوقها العقال .. لا .. لا ليست هذه أزياء الهيبة والوقار بقدر ما تعكس نعمة لم يعشها جدي الذي نافس الصقر مسكنه في أعلى قمة جبل (امقلَّة ) .
سرتُ في موكب الأشجار .. في بلاد الظنون حيث يبقى الضحى غريباً حتى دلني شعاعٌ ونادني صوت من بين تلك الشعاب ، وعلى مقربة من كهف (امجرفين ) بدا لي أني محمول على الأغصان مرهوناً لنداء أحالني طائراً ، وأنا ساع على قدمي .، وكلما اقتربت من مصدر النداء أصبح الكلام صدى .. وصوت جمال القصاص في شمس رخامه يباغتني :
-( ما الذي قد تبقى إذن ، كانت الأرض تكمل دورتها .. كلما رفَّ طائرها القزحي
كان ينقش وهم صبابتها في يديه بوهم غيابه ).-..
عندها ركنتُ إلى الفضاء أستحلب النوايا ، وتركت صوتي يعج ويثج في الشعاب المحيطة من ( امّ مِعْلَكْ إلى ( أم ْنيمية ) : فمضى مردداً :
وشيتُ أيامي بدمي المدرار حتى شفَّ عن ثجج ٍ ، وفاح بي سخمي
والأرض غضبى من بروج الشمس عفّرها سوطُ الرياح ..
كنتُ هذي عظامي والشناظيب في الموقار يأكلها فلاح العزلة الفتخاء ..
هذي بقايا جذوع (المظّ ) لا تنفك عن ولهٍ تعشّقها ، وزائفة الندى تذوي مع الأنوار إن سطعتْ مهامهُها .. لتفتح قصة أخرى ..
أرتّقُ خلفها نفَسَا تفرع كالحنين على منافذ من مداه التيه .
مالي ..!! وقد غرقت بقايا من جذوري في رياط الوهم أزعم أن الذود عنكَ يظل مفتوحاً على مصراع أيامي ؟.
ودون الموت أشلائي أجمعّها مبددة على دجن ِ من الأطوار ( ساقُ غرابها ) يفضي إلى (دبلا )
وقرن (العودة) انتصبا ..
ألملمُ في ثنايا الأرض رائحة تفرَّق َ صوتي في مساربها .. وباءت رحلةً أخرى .
فضاءٌ يحلبُ الرؤيا ، ويسفحها نشيجاً مورقاً خضراً ..
أصيخُ إلى رؤياي في جدي وفي ظلمات فاتحتي .. أصيخُ إلى الأحلام كسّرها شعور يقلق التعبا
فأبحثُ ليس يحويني على شغفي من الأيام نائبة ، وأمكثُ ليس يبقيني على نحو من الإذعان تكويني .
خمد صوتي وانتابني النعاس فغفوت على مرمى صيحة من وسط ( الموقَعَة ) عندها تبدى لي جدي يخفق الحصى بين يديه ، ووشيش البخور من ردائه يفوح وسط تصاوير للعرعر والعتِْم ، وحوله صقور تحوم ، وبجانبه مقلاع وجراب مملوء بالحجر مسنود على صخرة كبيرة .. كان صوته يحثُّ الحصا على قتل اليهود ، وإدماء رؤوسهم ، وكأنه للتو شارك أطفال الحجارة ثورتهم في ضواحي القدس الشرقية فقد كانت إحدى نبوءاته المستقاة من الجفر العلَوي تقول :
(إذا اتحد اليهود مع النصارى ، وطاروا بالحديد على البروج ، وصار المسجد الأقصى أسيراً ، ولم يأبه مسلمون بالإسراء والعروج ، وصار أهل الحكم ربات الفروج ، وهزم يهود ، وجمعٌ في التل ذي المروج ، وحرب في الخليج تسعرت سعيراً ، وسلطان الحجاز مع العلوج ، وفي حرب الكواكب ( وجبل مجدو ) دمرت تدميراً .. فسوف تضيء عواصم مع زيت الخليج ) .
أما الثانية فنبوءة طويلة سار على الألسن منها تسيل دماء بالمسجد الأقصى وصغار شعب بأيدهم الحجر يضربون به كالمطر ، وبفهر أولاد آدم يشخبون بالدم رؤوس الخزر ويهود العرب ناعقي الضلال ، فيتحول الحال ، ويدنو التمحيص للجزاء وكشف الغطاء ، ويبدو النجم من قبل المشرق ، ويشرق قمركم .. كَمُل شهره ، وليلة تمام .. ألا فاعلموا أن قبله بثْق في الفرات ، وخوف في النيل الرحيب ، وتبدأ حرب أو فتنة في صفر ، وموت وقتل .. مساجدكم يومئذ مزخرفة وقلوبكم من الإيمان خربة إلا من رحم الله ، وشر من تحت ظل السماء قليل فقهاء منهم تبدو فتن وفيهم تعود ) .
بين شمس الظهيرة وماء ( أمشَجٍِبْ ) صحتُ به :جدي ..جدي .. سنواتي تهاجر كالجوع ، وها .. إنني أتيتُ في موكب الأشجار فدلَّني عليك شعاع ٌ، وناداني صوت .
كان النهار حجراً مدبباً بالهجير يثقب الحياة ، والشعاب شقوقاً تجس الخطوات ، وطيور الحباري حول جذوع ( الشّثْ ) توشوش الحصى كأنها تقرأ النجوم ..
انحنيتُ على الأرض حيث تساقط النشيج ، والرياح من حولي كعجوز تقص حكايتها
- أتى صوته حانياً : أنت هنا لتقيم في هذا الكهف فإن لم تستطع فنم في جواره فربما تكون خير استطاعتك المجاورة .
ومضيت لا حسيس أتعللُ به ، ولا أنيس أستريحُ إليه ، إنما هو رنين و أنين ، وحنين وزفرات تأخذني لعالم الأمل بلقاء جدي الذي شق هاتفه سمعي :
( أما تراني كيف أتراءى لك عياناً ، وكيف أتوارى عنك خبراً ؟ ، فلا عياني يخبرك عني ، ولا خبري يصدقك مني !!خفيتُ عنك لأني متقلبٌ في حالي ، وبدوتُ لك في خفائي لأني متقلبٌ في أمر عال .. فإذا كلمتك بلسان الظاهر فخذ عني ، وإذا حدثتك بلسان الباطن فاقبل قولي .. فإنك إن لم تقفْ على الإشارة لم ترشدك العبارة ..حيث تكون اللغة قاصرة ومحدودة ، وبقصورها تغدو حجاباً حين تقصرها على المدلول المباشر ، وتحدها عن ظلال الخيال .
قف في موقفك هذا وأنظر إلى كل شيء في القرى واقفاً ، وأنظر إلى السماء ، والنور ، والظلمة ،والحركة ،والسكون ، وعش في جواري لأنك صاحب سري ، وما أتيتَ إلا بهاتف مني ، فأنا صاحب وحدتك ، وقرين خلوتك ، لأنك حفيدي من بنتي ، وعليك تقع مسؤولية إعادة (ذكري.
كان جدي سمير الصبايا في القرى ، يغني صبابتهن في ندوب الحكايا .. يدندن للحسان في ضوء البدر المتشقق لوعة .. في خيطان البِرْك ، ولوايا البعيثران والشّيح .. في فحيح الأنامل وهي تلامس أجساد البرتقال ، وكأن أطرافها الخرز الطوطمي المصقول ، وقلوبهن هشيم طري تفور في ثناياه حرقات الوجد ، وعيونهن الدعج تساقط الكحل في قطرات الدمع المتهاطل جوى … تتخطف أعناقهن أحصنة الفتيان المتسابقة في الخيال لتنحل أجسامهن في خضرة الطين ، وتتدلى ضفائرهن كالحرير المصبوغ بألوان التوت الجبلي .
قال ابر مانع ريْت طفل امظبا راعية جنوبٍ سِمْح لوقات لوقات
فلا قدرت امشي وذاك المزيَّن عاونه بالخطو لوَّاق روحهْ .
الفتيات الحسان أطفال الظباء .. خصورهن صغيرات أنيقة ، وأجسامهن متناسقة يُضئن الليل كالقناديل في دعوة إلى خروج الأطياف ،وتكاثرها عبر هطول الحكي ومسامرة هسيس الأمكنة .
مشكلتهن الكبرى أن يوائمن بين أنوثتهن المتعطشة للجسد الذكري ، وما تتركه نهارات العمل من رهق .. مع أن الرجال يهابون النساء في السر بسبب الخوف من هيمنة التعب على قواهم فليس أشد إيلاماُ من امرأة عارية بجانب عضو ذكري خامل .
ظلت قصص من هذا النوع تسري في القرى عن امرأة دائمة الأنوثة ، وعضو ذكري دائم الذبول .. وتأخذ هذه القصص بُعدها الساخر نسوياً لتجعل الرجل يستعد لأمر رهيب مثل هذا ما جعله يسخِّر النساء لمزيد من الجهد العملي في الحقول مما يؤول على أنه مقت ذكوري .
لكن الجميع رجالأ ونساء يجمعون على أهمية ممارسة الحب من أجل الصحة البدنية والعقلية ، وسلامة الرجل والمرأة من التشتت النفسي على أساس ارتباط مقدس لا يعطي أهمية قصوى للجنس مقابل الشعور بالحميمية والإنسانية .
تلك الرابطة التي تقود إلى زواج متفق عليه يحيل الليلة الأولى ليلة عمر لا تنسى مهما مرّ عليها الزمن .
_ أي جدي : هذه العلاقات التي تأخذ ألباب النساء عن كل شيء إلى مكاشفات عاطفية أليست فساداً ؟! .
- علاقات الحب لم تكن خرقاً للأخلاق ، فكلما تهيأت الظروف لزواج حبيبين ارتجت أودية القرى مباركة .. علاقة المرأة بالرجل هنا كانت جلية واضحة كرابعة النهار .. تنقي المجتمع من الانحرافات والشذوذ السائد هذه الأيام بينكم .. حين يختلي الذكر بالذكر ، والأنثى بالأنثى .
- جدي : في زحمة التعب .. حين تذيب هواجر الصيف شحوم النساء ، وتسلب الشمس بريق الشباب من وجناتهن .. كيف يجدن لذة الرجل ؟!
- حين تحمّر الوجنة ، وتسخن الأذنين ، ويتعرّق الأنف ، و ترتعش الحلمتان ..
يخفت الصوت ، وتصدر نبرات مبحوحة حادة ، تكون العين الحمراء قد تدفقت بغزارة عندها ترتفع السيقان ، وتلتصق الأحضان ، وتُشد الخواصر ، وتُهز الأكتاف ، وتُخمش الظهور .
- ما خيارات الرجال وهم يتصفحون وجوه النساء في الحقول والمراعي ، وعلى آبار المياه حين تكف أمطار الحب عن الهطول على مساحة قلبين ، أو تتقطع أوتار الشوق بعد وصل لم يكتب له التنامي ؟! .
- كل امرأة تعرف كيف تجذب فارسها الذي يغتدي على مرأى ومسمع ، وحين تقتاد بلجام فؤاده ، وتودعه اصطبلها ، لابد أن تعرف قدر كفايته وكفايتها من العطاء والأخذ فلا يغادرها إلى غيرها إلا بعلمها حين تُفصل العرى ، ولا تلجأ هي إلى






















